التفتازاني

55

شرح العقائد النسفية

ويكتفون بلفظ الموجد والمخترع ، ونحو ذلك . وحين رأى الجبائي وأتباعه أن معنى الكل واحد ، وهو المخرج من العدم إلى الوجود ، تجاسروا على اطلاق لفظ الخالق . احتج أهل الحق بوجوه : الأول : ان العبد لو كان خالقا لأفعاله لكان عالما بتفاصيلها ، ضرورة ان ايجاد الشيء بالقدرة والاختيار ، لا يكون الا كذلك . واللازم باطل ، فان المشي من موضع إلى موضع ، قد يشتمل على سكنات متخللة ، وعلى حركات بعضها أسرع وبعضها أبطأ . ولا شعور للماشي بذلك . وليس هذا ذهولا عن العلم . بل لو سئل عنها لم يعلم . وهذا في أظهر أفعاله . وأما إذا تأملت في حركات أعضائه في المشي والأخذ والبطش ، ونحو ذلك ، وما يحتاج إليه من تحريك العضلات وتمديد الأعصاب ، ونحو ذلك . فالأمر أظهر . الثاني : النصوص الواردة في ذلك . كقوله تعالى : « وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ » « 1 » أي عملكم على أن « ما » مصدرية لئلا يحتاج إلى حذف الضمير ، أو معمولكم على أن « ما » موصولة ، ويشتمل الأفعال لأنا إذا قلنا : أفعال العباد مخلوقة لله تعالى أو للعبد ؟ لم نرد بالفعل المعنى المصدري ، الّذي هو الايجاد والايقاع ، بل الحاصل بالصدر الّذي هو متعلق الايجاد والايقاع ، أعنى ما نشاهده من الحركات والسكنات مثلا ، والذهول عن هذه النكتة قد يتوهم أن الاستدلال بالآية ، موقوف على كون « ما » مصدرية . كقوله تعالى : « اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ » « 2 » أي ممكن ، بدلالة العقل ( وفعل العبد شيء ممكن « 3 » . وكقوله تعالى : « أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ » « 4 » في مقام التمدح بالخالقية ، وكونها مناطا لاستحقاق العبادة . لا يقال : فالقائل بكون العبد خالقا لأفعاله ، يكون من المشركين دون الموحدين . لأنا نقول : الاشتراك هو اثبات الشريك في الألوهية بمعنى وجوب الوجود ، كما للمجوس ، أو بمعنى استحقاق العبادة ، كما لعبدة الأصنام . والمعتزلة لا يثبتون ذلك ، بل لا يجعلون خالقية العبد كخالقية الله تعالى ، لافتقاره إلى الأسباب والآلات التي هي

--> ( 1 ) الصافات 96 والنص متشابه يحتمل الوقف على خلقكم . وما بعده جملة للتوبيخ . ( 2 ) الرعد 16 . ( 3 ) سقط خ . ( 4 ) النحل 17 .